عبد الوهاب الشعراني

26

الجوهر المصون والسر المرقوم

رضى اللّه تعالى عنهم أجمعين فلما درجوا إلى رحمة اللّه تعالى تقترب الأحوال والمراسم وتصدر للطريق من لا يصلح لها وغلب المتشبهون من أمثالنا على أهل التحقيق من كمّل العارفين وراج أمرهم عند أبناء الدنيا أكثر من أشياخهم فاستخرت اللّه تعالى في تأليف هذا الكتاب الفارق بين علامات المحققين والمتشبهين لينظر فيه الإخوان ويحكم أحدهم على نفسه بما يراه فيها من التحقق أو التشبه ولا يحوج غيره إلى أن يخاطبه بشئ من ذلك فربما كان العبد محجوبا عن معرفة أحكام الطريق من تلقين وإلباس خرقة وإرخاء عزبة وادخال المريد الخلوة فيصير يطعم نفسه الجوز الفارغ عن القلب ولا يتلمذ لعارف يربيه إلى أن يموت فلذلك وضعت هذا الكتاب لمن ينصح نفسه من الإخوان بالأصالة ليترقى من مقام المتشبه إلى مقام المتحقق بالسلوك على يد الأشياخ المحققين من أهل عصره ولا يغش نفسه فهذا هو مقصودى الأعظم من تأليف هذا الكتاب وإن وقع بسببه مقت لأحد مما لم ينصح نفسه من الإخوان فذلك بحسب ما سبق له في علم اللّه تعالى لا بحسب قصدي وإذا كان أبو القاسم الجنيد رضى اللّه تعالى عنه يقول في زمانه إن علم التصوف قد طوى بساطه من نحو ثلاثين سنة وإنما يتكلم الناس الآن في حواشيه فكيف بأهل النصف الثاني من القرن العاشر وقد سمعت سيدي عليا المرصفي رحمه اللّه تعالى يقول في سنة خمس وعشرين وتسعمائة أربع مراتب قد زاحم غالب الناس عليها في هذا الزمان بغير حق وهي تلقين الذكر للمريدين وإلباسهم الخرقة وإرخاء العذبة لهم وإدخالهم الخلوة فأما تلقين الذكر للمريدين فمن شرط الشيخ الذي يلقن أن يقدره اللّه تعالى على أن يفرغ على المريد حال تلقيه جميع ما قسمه اللّه تعالى له من علوم الشريعة فلا يحتاج بعد ذلك إلى نظر في كتاب إلى أن يموت وأما إلباس الخرقة للمريد فمن شرطه أن يقدره اللّه تعالى على نزع جميع الأخلاق الرديئة حال أمر المريد بنزع ما عليه من قلنسوة أو رداء أو قميص حتى لا يبقى عنده خلق واحد ردئ ثم يفرغ عليه حال إلباسه للمريد بدل تلك الخرقة جيع الأخلاق الحسنة التي قسمت له فلا يحتاج بعد ذلك إلى علاج ولا رياضة في تحصيل خلق منها إلى أن يموت وأما